الذهبي

107

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

وغُصُوب ، ولا آكُل من ذلك شيئًا . فبقي ما شاء اللَّه يتقوَّت من ذلك الخُبز اليابس ، ولحقه منه مرض . وكان الوالد يختم في المسجد في كلِّ ليلة جمعة ويدعو ، ما أخل بهذا سنين عديدة إِلَّا لعُذر . ولعلَّ يقول ناظِرٌ في هذا : كيف استجاز مدح والده ؟ فإنَّما حَمَلَنا على ذلك كثرة قول المُخالفين ، وما يُلْقون إلى تابعيهم من الزُّور والبُهْتان ، ويتخرَّصون على هذا الْإِمام من التّحريف والعدوان . أنشدني بعض أصحابه ، فقال : من اقتنى وسيلةً وذُخْرا . . . يرجو بها مَثُوبةً وأَجْرا فحجَّتي يوم أُوَافي الحشرا . . . معتقدي عقيدة ابن الفرّا قال أبو الحسين : اعلم ، زادنا اللَّه وإيّاك عِلمًا ينفعنا به ، وجعلنا مِمَّن آثر الآيات الصّريحة ، والَأحاديث الصحيحة ، على آراء المُتَكلِّمين ، وأهواء المتكلفين ، أن الذي درج عليه صالحو السَّلَف التَّمسُّك بكتاب اللَّه ، واتِّباع سُنَّة محمد صلّى اللَّه عليه وسلم ، ثم ما روي عن الصَّحابة ، ثم عن التّابعين والخالفين لهم من علماء المُسلمين : الْإِيمان والتَّصديق بكل ما وصف اللَّه به نَفْسَهُ ، أو وصفه به رسوله ، مع ترك البحث والتَّنْقير ، والتّسليم لذلك ، من غير تعطيلٍ ، ولا تشبيهٍ ، ولا تفسيرٍ ، ولا تأويل ، وهي الطَّائفة المنصورة ، والفرقة النَّاجية ، فهُم أصحاب الحديث والَأثر ، والوالدُ تابِعُهم . هم خلفاء الرّسول ، وورثة حكمته ، بهم يلحق التَّالي ، وإليهم يرجع الغالي . وهم الذين نبزهم أهل البدع والضلال أنهم مشبهة جهال ؛ فاعتقاد الوالد وسَلَفهُ أن إثبات الصِّفات إنَّما هو إثبات وجود ، لا إثبات تحديد وكيفيَّة ، وأنّها صفات لا تُشبه صفات البرّيّة ، ولا يُدْرَك حقيقةُ عِلمها بالفِكر والرَّويّة . فالحنبليّة لَا يقولون في الصِّفات بتعطيل المُعطِّلة ، ولا بتشبيه المُشبِّهين ، ولا بتأويل المُتأوّلين . بل مذهبهم حقٌّ بين باطِلَيْن ، وهدًى بين ضلالتين . إثبات الأسماء والصِّفات ، مع نفي التّشبيه والَأدوات ، على أنَّ اللَّه { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير } . وقد قال الوالد في أخبار الصفات : المذهب في ذَلِكَ قبول هذه الأحاديث على ما جاءت به ،